اغتصاب

هاأنذا أعود إليك بعد عشرين سنة من الغياب، لقد كنت مصرا على الدخول إليك من جديد، من الباب ذاته، أن أطل من تلك النوافد التي كانت سجنا بالأمس، إن طعم الحرية جميل، فما الذي أتى بي إلى هنا لأشاهد مرة أخرى ملامح كابوس قد عشته مند زمن، يأتي صوت من الخلف لرجل مسن:
– إنها ليست لائقة للسكن سيدي..
– ناولني المفاتيح أريد البقاء وحدي قليلا هنا..
ثم يرحل وأتساءل كيف لم يتذكرني!!! فهل ياترى كبرت لهذا الحد وتغيرت تفاصيل وجهي!!أم أن ذاكرة الرجل أصيبت بداء النسيان …
أغلقت الباب وانفردت بك الآن وجها لوجه، لم أعد أخشى مواجهتك، لأنك حقيقتي الوحيدة، لأنك سنوات سجني و لأنك الشاهد الوحيد على إغتصاب طفولتي….
أتساءل بعد هذا الغياب، كيف إختار القدر أن تكون قصتنا بداخل هذا المنزل المهترء  بالتحديد، ولماذا نحن بالذات من إختارتنا الحياة لنتقمص أدوارا لم نحبها يوما وأرغمتنا على حفظ سيناريوهات طويلة ومتعبة إستعدادا للرقص ببؤس أمام خشبة القدر لأكثر من شخص ماهمهم أمرنا يوما!! لا أملك جوابا لكل تلك الأسئلة…
صوت ما يرغمني على الرحيل، وإحساس ما يصرني على البقاء، فهل ياتراه شعور الخذلان أم الحنين! ما أصعب أن تعيش لحظة واحدة بشعورين متناقضين، لقد إمتلكني الحنين فعلا لمن فقدت حياتها هنا في سبيلنا، لقد قتلها من جعلني أحس بالعار لأنه منحني إسمه يوما وكنت بنظر الناس حاملا لصفاته أيضا، لقد كنت بنظرهم قاتلا  لمجرد أنني أمتلك نسبه، لذلك كان لزاما علي الرحيل من هنا هربا لبلدان أخرى حيث لا أحد يدري بقصتي…
أتذكر كل شيء من جديد، رائحة الخمر الكريهة، الدماء التي تسيل على الأرض، صوت أختي وهي تصرخ  وصورة الوحش الذي يقف حاملا سكينا هناك…صوت سيارة الشرطة المزعج ، الجرائد تتحدث عن جريمة قتل…..يؤلمني رأسي حينما أتذكر كل هذه الأشياء، أرمي المفاتيح على الأرض وأهرب خارجا ليخف وجع رأسي…

قررت أن أشتري هذا المنزل هذا كل ماقلته للرجل الذي بدت ملامح الإستغراب على وجهه فكيف يعقل لرجل متيسر الحال أن يشتري منزلا كهذا في حي كئيب، لقد أحببت أن أعذب نفسي بالذاكرة، أن أتوجع كلما دخلته، لقد أردت لي ألما حادا أعاقب نفسي به لأنني لم أستطع فعل أي شيء ذلك اليوم ماعدا البكاء…..مازال رأسي يؤلمني ومازالت طفولة الصغار تغتصب بوحشية كما إغتصبت طفولتي…..

Leave a Reply

Your email address will not be published.
You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.