احتراق

آكل الخبز على عجل أبتله بقطرات شاي مر، أخبرتني زوجتي أن السكر قد نفذ، أطرق ساكنا ثم أهم بالخروج.
أتأمل البقال والباعة المتجولين ويصلني صوت بائع السردين ينادي من بعيد، وكالعادة يلتف حوله الجميع، الكل يأخد ما يسد به جوعه، هنا بائع اللحم لا يربح كثيرا، فالفقراء لا مال لهم لشرائه، لقد كان السردين المقلي بجوار بضع شرائح من البصل طبقهم المفضل الذي لا بديل لهم عنه ….
لطالما أقنعت زوجتي أولادنا أن يأكلوا ذلك الطبق بطرق أكثر احترافية بحجة أن السردين فيه فوائد صحية متعددة وأن شرائح البصل تلك تقيهم الأمراض أكثر، لقد أكل الصغار دون أن يحتجوا اليوم على شيء لكن ماذا إن كبر الأولاد!!!
إنني أعاني من حالة احتراق داخلي، احتراق صامت يزداد لهيبه وألمه كلما قصرت يدي على منح عائلتي كل ما يحتاجونه، وهذا حال الكثيرين هنا، حينما أرتاد مقهى سي حمد الكل يشتم الوضع، الكل غاضب والكل أيضا جبان و خائف أمام سلطة الوطن فلا جدوى من البحث عن حل، أو من التفكير في الانتفاض… ولأنك رجل في وطن الأنذال يجب أن تتلقى الضربات ولا تشتكي في سبيل الظفر بحياتك، في سبيل إنقاذ أبنائك من ويلات الجوع والتشرد…
أتذكر أن السكر قد نفذ، أتوجه صوب بقال الحي أتوسله أن يمنحني بضع قطع أخرى منه وأن يدون ثمنه على دفتره المخصص للدين، لازالت أذني تلتقط أصوات الباعة من بعيد، أتفحص جيب سروالي، ثم أخرج ما تبقى لي من دراهم
– كم ثمن السردين؟
– خمسة دراهم
أحمد الله مساءا لأنني وفرت لأسرتي عشاء هذه الليلة وأدعوه بالرحمة صباحا خوفا من أن يرتفع ثمن السردين أيضا، أقرر الذهاب للمقهى علني أنسى كل هذا الخوف والعجز الذي يتملكني، أجلس على كرسي مهترء أسمع النادل يخبر أحدهم أن المقهى سوف تغلق أبوابها قريبا لعجزها عن تغطية بعض المصاريف، ينتشلني صوت بائع الجرائد من ضجيج الأفكار بداخلي، فأنتبه أخيرا لتلك الأوراق البيضاء التي تغطي الأرض وعلى ما يبدو لي فإن حملة الإنتخابات قد بدأت ،صوت من المذياع يقول أنها ستكون انتخابات نزيهة ويدعوا المواطنين للجوء إلى مراكز التصويت، فهل الشعب سيلبي نداء الوطن هذه المرة ؟ ولماذا لا تتغير أحوالنا كلما لبينا النداء!     
أرجع للمنزل تأخذ زوجتي السكر و….، ثم يأتي إبني الصغير على عجل ليصفعني بفاتورة الكهرباء التي وجدها أمام باب المنزل، ثم يستمر العجز وتستمر سلاسل الاحتراق من جديد…

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.
You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.